الشنقيطي
173
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وإذا عرفت ذلك فاعلم : أن أزواج النبي مفروض لهن ومدخول بهن ، وقد يفهم من موضع آخر أن المتعة لخصوص المطلقة قبل الدخول . وفرض الصداق معا ؛ لأن المطلقة بعد الدخول تستحق الصداق ، والمطلقة قبل الدخول وبعد فرض الصداق تستحق نصف الصداق . والمطلقة قبلهما لا تستحق شيئا ، فالمتعة لها خاصة لجبر كسرها وذلك في قوله تعالى : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ [ البقرة : 236 ] ثم قال : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ [ البقرة : 237 ] فهذه الآية ظاهرة في هذا التفصيل ، ووجهه ظاهر معقول . وقد ذكر تعالى في موضع آخر ما يدل على الأمر بالمتعة للمطلقة قبل الدخول وإن كان مفروضا لها ، وذلك في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا ( 49 ) [ الأحزاب : 49 ] ؛ لأن ظاهر عمومها يشمل المفروض لها الصداق وغيرها ، وبكل واحدة من الآيات الثلاث أخذ جماعة من العلماء . والأحوط الأخذ بالعموم ، وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على الأمر مقدم على الدال على الإباحة ، وعقده في مراقي السعود بقوله : وناقل ومثبت والآمر * بعد النواهي ثم هذا الآخر على إباحة إلخ . فقوله ثم هذا الآخر على إباحة ، يعني : أن النص الدال على أمر مقدم على النص الدال على إباحة ، للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب . والتحقيق أن قدر المتعة لا تحديد فيه شرعا لقوله تعالى : عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [ البقرة : 236 ] فإن توافقا على قدر معين فالأمر واضح ، وإن اختلفا فالحاكم يجتهد في تحقيق المناط ، فيعين القدر على ضوء قوله تعالى : عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ [ البقرة : 236 ] الآية هذا هو الظاهر وظاهر قوله : وَمَتِّعُوهُنَّ [ البقرة : 236 ] وقوله : وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ [ البقرة : 241 ] يقتضي وجوب المتعة في الجملة خلافا لمالك ومن وافقه في عدم وجوب المتعة أصلا ، واستدل بعض المالكية على عدم وجوب المتعة بأن اللّه تعالى قال : حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ( 236 ) [ البقرة : 236 ] وقال : حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 241 ) [ البقرة : 241 ] قالوا : فلو كانت واجبة لكانت حقا على كل أحد . وبأنها لو كانت واجبة لعين فيها القدر الواجب . قال مقيده - عفا اللّه عنه - هذا الاستدلال على عدم وجوبها لا ينهض فيما يظهر ؛ لأن قوله : عَلَى الْمُحْسِنِينَ ( 236 ) [ البقرة : 236 ] و عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 241 ) [ البقرة : 241 ] تأكيد